العلامة المجلسي

24

بحار الأنوار

لا يشكرون عند الرخاء ، ولا يصبرون عند البلاء ، كثير الناس عندهم قليل ، يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون ، ويدعون بما ليس لهم ، ويتكلمون بما يتمنون ، ويذكرون مساوي الناس ، ويخفون حسناتهم . قال : يا رب هل يكون سوى هذا العيب في أهل الدنيا ؟ قال : يا أحمد إن عيب أهل الدنيا كثير فيهم الجهل ، والحمق ، لا يتواضعون لمن يتعلمون منه وهم عند أنفسهم عقلاء وعند العارفين حمقاء . يا أحمد إن أهل الخير وأهل الآخرة رقيقة وجوههم ، كثير حياؤهم ، قليل حمقهم ، كثير نفعهم ، قليل مكرهم ، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب كلامهم موزون ، محاسبين لأنفسهم ، متعبين لها ، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة ، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين ، في أول النعمة يحمدون وفي آخرها ، يشكرون ، دعاؤهم عند الله مرفوع ، وكلامهم مسموع ، تفرح الملائكة بهم ، يدور دعاؤهم تحت الحجب ، يحب الرب أن يسمع كلامهم كما تحب الوالدة ولدها ، ولا يشغلهم عن الله شئ طرفة عين ، ولا يريدون كثرة الطعام ، ولا كثرة الكلام ، ولا كثرة اللباس ، الناس عندهم موتى ، والله عندهم حي قيوم كريم ، يدعون المدبرين كرما ، ويريدون المقبلين تلطفا ، قد صارت الدنيا والآخرة عندهم واحدة ، يموت الناس مرة ويموت أحدهم في كل يوم سبعين مرة من مجاهدة أنفسهم ومخالفة هواهم ، والشيطان الذي يجري في عروقهم ، ولو تحركت ريح لزعزعتهم ، وإن قاموا بين يدي كأنهم بنيان مرصوص ( 1 ) لا أرى في قلبهم شغلا لمخلوق ، فوعزتي وجلالي لأحيينهم حياة طيبة ، إذا فارقت أرواحهم من جسدهم ، لا أسلط عليهم ملك الموت ، ولا يلي قبض روحهم غيري ، ولا فتحن لروحهم أبواب السماء كلها ، ولأرفعن الحجب كلها دوني ، ولآمرن الجنان فلتزينن ، والحور العين فلتزفن ( 2 ) والملائكة فلتصلين

--> ( 1 ) أي مزلق بعضه إلى بعض ثابت ، من الرص وهو اتصال بعض البناء ببعض . ( 2 ) زففت العروس إلى زوجها أزف - بالضم - زفا وزفافا ، وأزففتها أي أهديتها إلى زوجها .